الآلوسي

159

تفسير الآلوسي

وفرعون . وهامان ، وقيل : الجملة عطف على أهلكنا المقدر سابقاً وضمير - كانوا - لجميع المهلكين ، وفيه تبر للنظم الجليل . * ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الاَْرْضَ وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * * ( فَكُلاً أَخَذْنَا بذَنْبه ) * هذا وما بعده كالفذلكة للآيات المتضمنة تعذيب من كفر ولم يمتثل أمر من أرسل إليه ، وقال أبو السعود : هذا تفسير لما ينبئ عنه عدم سبقهم بطريق الإبهام وما بعده تفصيل للأخذ ، وفي القلب منه شيء . وكأنه اعتبر رجوع ضمير - كانوا - إلى المهلكين ، وقد علمت حاله وتقديم المفعول للاهتمام بأمر الاستيعاب والاستغراق ، وقال الفاضل : المذكور للحصر أي كل واحد من المذكورين عاقبناه بجنايته لا بعضاً دون بعض ، وبحث فيه بأن كلاً متكفلة بهذا المعنى قدمت أو أخرت ، وأجيب بأنا لا نسلم أنه يفهم منها لا بعضاً إذا أخرت وإنما يفهم منها بواسطة التقديم فتأمل ، والكلام في مرجع ضمير بذنبه سؤالاً وجواباً لا يخفى على من أحاط علماً بما قيل في قولهم : كل رجل وضيعته . وقولهم : الترتيب جعل كل شيء في مرتبته ، وهو شهير بين الطلبة * ( فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْه حَاصباً ) * أي ريحاً عاصفاً فيها حصباء ، وقيل : ملكاً رماهم بالحصباء وهم قوم لوط . وقال ابن عطية : يشبه أن يدخل عاد في ذلك لأن ما أهلكوا به من الريح كانت شديدة وهي لا تخلو عن الحصب بأمور مؤذية ، والحاصب هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمى بشيء * ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ ) * هم مدين وثمود ولم يقل أخذناه بالصيحة ليوافق ما قبله وما بعده في إسناد الفعل إليه تعالى الأوفق بقوله تعالى : * ( فكلا أخذنا بذنبه ) * دفعاً لتوهم أن يكون سبحانه هو الصائح * ( وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا به الأَرْضَ ) * وهو قارون * ( وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) * وهو فرعون ومن معه ، وذكر بعضهم قوم نوح عليه السلام أيضاً . واعترض بأنهم ليسوا من المذكورين ، وتعقب بأنهم أول المذكورين في هذه السورة من الأمم السالفة ، ولعل المعترض أراد بالمذكورين المذكورين متناسقين أي بلا فصل بأمة لم تفد قصتها إهلاكها ، وقوم نوح وإن ذكروا أولاً لكن فصل بينهم وبين نظائرهم من المهلكين بقصة صوم إبراهيم عليه السلام وهي لم تفد أنهم أهلكوا ، وذكر النيسابوري أنه سبحانه قرر بقوله تعالى : * ( فكلا ) * الخ أمر المذنبين بإجمال آخر يفيد أنهم عذبوا بالعناصر الآربعة فجعل ما منه تركيبهم سبباً لعدمهم وما منه بقاؤهم سبباً لفنائهم ، فالحاصب وهو حجارة محماة تقع على كل واحد منهم فتنفذ من الجانب الآخر إشارة إلى التعذيب بعنصر النار ، والصيحة وهي تموج شديد في الهواء إشارة إلى التعذيب بعنصر الهواء ، والخسف إشارة إلى التعذيب بعنصر التراب ، والغرق إشارة إلى التعذيب بعنصر الماء اه‍ ولا يخفى ما فيه * ( وَمَا كَانَ اللَّهُ ليَظْلَمَهُمْ ) * أي ما كان سبحانه مريداً لظلمهم وذلك بأن يعاقبهم من غير جرم لأنه خلاف ما تقتضيه الحكمة . وفي أنوار التنزيل أي ما كان سبحانه ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من سنته عز وجل ، ويفيد أنه لو وقع منه تعالى تعذيبهم من غير جرم لا يكون ظلماً لأنه تعالى مالك الملك يتصرف به كما يشاء فله أن يثيب العاصي ويعذب المطيع ، وهذا أمر مشهور بين الأشاعرة والكلام في تحقيقه يطلب من علم الكلام . وقد أسلفنا في تفسير قوله تعالى : * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * ( الأنبياء : 23 ) ما ينفعك في هذا المقام تذكره فتذكر * ( وَلَاكنْ كَانُوا أَنْفُسَهمْ يَظْلمُونَ ) * بالاستمرار على مباشرة ما يوجب ذلك من الكفر والمعاصي باختيارهم ، وقال مولانا اليخ إبراهيم الكوراني ما حاصله : إن ظلم الكفرة أنفسهم